رسائل في التطوير البرلماني

الجهاز التشريعي في العراق وحقوق الإنسان

 

اهتم الدستور العراقي الدائم والنافذ في الوقت الحاضر في بابه الثاني (الحقوق والحريات ) بتفاصيل هامة تخص المواطن العراقي ولخصها بثلاث وثلاثين مادة (من المادة (14) وحتى المادة (46))... وبالتأكيد هناك قوانين مشرعة في عهد الأنظمة السابقة  يتم التعامل معها في عصر السلطة الجديدة المختلف من الناحية السياسية عن الفترات الماضية، وبالتالي فمن اجل تطبيق المفاهيم الإنسانية الراقية التي يتضمنها الدستور العراقي بات تجديد وتطوير القوانين والتشريعات المتعلقة بحقوق الإنسان ضرورة ، كما إن المؤسسات الراعية لحقوق الإنسان(الحكومية منها وغير الحكومية) بحاجة إلى تشريعات داعمة لها ... وتعتبر لجنة حقوق الإنسان  في مجلس النواب العراقي الجهة المتخصصة في هذا المجال. وخلال السنوات الأربعة الماضية (ومن خلال متابعة الموقع الالكتروني لهذه اللجنة ) يمكننا ملاحظة القصور الواضح في الدور التشريعي  لهذه اللجنة أما أدوارها الأخرى فيمكن تسجيل عدة ملاحظات عليها.... منها:-

 1 .عدم وجود خطه وطنيه (تتضمن آليات وسياسات تنفيذية وأدوات متابعه )لأوضاع حقوق الإنسان في العراق

2 . عدم وجود برنامج تطويري للعاملين في هذا المجال (عدا الزيارات الترفيهية لهم تحت عناوين التطوير إلى خارج البلد)وهي تبديد للمال العام دون تحقيق الأهداف

3. إن مفاهيم حقوق الإنسان لم تدخل بعد إلى (مناهج الدراسة الابتدائية والثانوية والجامعية في العراق ) ولم تعمل أي جهة ذات علاقة بموضوع حقوق الإنسان سواء كانت حكومية أم غيرها على تنظيم هذا الموضوع.

4. عدم الإفادة من المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بهذا الشأن وهي كثيرة جدا خصوصا المرتبطة بالأمم المتحدة والاتحاد الأوربي وحتى الجامعة العربية وقد عملت الكثير منها في العراق لكنها لم تجد الجهة الرسمية الراعية لكل نشاطاتها مما اضطر هذه المنظمات إلى التعامل مع منظمات مجتمع مدني عراقية  ومؤسسات غير حكومية قليلة الكفاءة والخبرة  و هناك الكثير من المؤشرات السلبية على أدائها. كما غادر العديد منها العراق مما افقدنا خبرات وإمكانات تهتم بحقوق الإنسان ونحن بأمس الحاجة إليها.

5. المؤسسات والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال حقوق الإنسان في العراق ولكونها ذات تجارب وليدة وجديدة وخبراتها محدودة فإنها لم تستطع الوصول إلى المستوى الناضج الذي يؤهلها لمليء الفراغ في هذا الموضوع الهام كما أنها أسقطت  نفسها في شرك الفساد المالي مما افقدها القدرة على  كسب ثقة الحكومة ولا حتى ثقة المنظمات الدولية العاملة في البلد  مما اثر على سمعتها وثقة المنظمات الدولية والدوائر الحكومية بها وساهم ذلك بتقليل وتحجيم دورها المفترض في متابعة أوضاع حقوق الإنسان في العراق . وعدم وجود قانون أو تشريع ينظم عملها زاد الطين بله ووفر فرصه اكبر لإرباك عمل هذه المؤسسات والمنظمات.

6. الدور غير الفعال الذي قامت به لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي وخصوصا في الجانب التشريعي إذ لم تقدم هذه اللجنة أي قانون يتعلق بتطوير التشريعات والقوانين العراقية بما يتوافق وتوجهات الدستور العراقي الدائم الجديد ونظرته للإنسان فما زالت الكثير من قوانين العقوبات والحريات والحقوق لا تلبي الطموح الدستوري على الأقل ...

7.لابد لنا من الإشارة إلى قضية مهمة تتعلق بالدور الرقابي للبرلمان العراقي والى لجنة حقوق الإنسان بالذات حيث إن أي من  الدستور العراقي والنظام الداخلي لمجلس النواب لم يذكرا في توضيح الدور الرقابي للبرلمان أسلوب  (اللجان التحقيقية البرلمانية ) حيث إن هذه الطريقة الرقابية غير معمول بها في البرلمان العراقي مما اثر سلبا على الدور الرقابي للجنة حقوق الإنسان ، فاللجان التحقيقية البرلمانية أسلوب معمول به في الكثير من البرلمانات (كجمهورية مصر العربية والهند ) وغيرها وهذا يعني إن البرلمان العراقي يؤدي دورا رقابيا ناقصا فهو  يرفع توصيات أو يستدعي أو يستضيف الوزير أو المسؤول التنفيذي المقصر والوزراء يتمتعون بحماية كتلهم السياسية وأحزابهم مما جعلهم في مأمن طوال السنوات الماضية ، فلجنة حقوق الإنسان لم تعمل على استدعاء أي جهة تنفيذية أو استضافتها على الأقل  في مجلس النواب وكأن حقوق الإنسان في العراق رغم هذا الوضع الأمني الصعب في حالة مثالية ، وتبقى اللقاءات الإعلامية لبعض أعضاء اللجنة هي السلاح الوحيد الذي استخدمه هؤلاء الأعضاء في التعبير عن عدم رضاهم لأوضاع السجون والحريات العامة وما إلى ذلك .

8. إن استغلال قضايا حقوق الإنسان استغلالا سياسيا يعد ظاهرة سلبية لابد من معالجتها جذريا ونقصد بذلك المعالجة الثقافية والفكرية بل وحتى العقائدية فأموال وإعراض ودماء الناس هي الحدود الثلاثة الكبرى التي يجب إن نربي عليها أولادنا وننصح بها كبارنا ونعتبر احترام الإنسان الذي كرمه الله قمة من قمم الخلق التي يجب إن يتحلى بها الجميع وان يسود مبدأ العدل في الدفاع عن المظلوم   أي كان انتماؤه أو أصله أو دينه أو معتقده أو جنسه دون تقديم الفوائد السياسية على ذلك المبدأ.

9. مطابقة السلوك مع التنظيرات المتعلقة بموضوع حقوق الإنسان خصوصا وأننا في القرن الحادي والعشرين وهذا يعني القدرة الذهنية العالية في تمييز الصالح والطالح لدى الناس ففي الوقت الذي يعمل به المشرع العراقي على تطوير البلد في هذا المجال نلاحظ سلوكه (من ناحية امتيازاته المادية وحقوقه الشخصية ) المتميزة بفاصلة واضحة عن حقوق المواطن العادي مما يؤثر سلبا على ثقة المواطن بالجهة التشريعية التي انتخبها وينتظر منها الكثير . و الحديث من جهة غير موثوقة ( لا سامح الله ) عن حقوق الإنسان يصبح غير منتج وغير مساهم في تطوير ثقافة حقوق الإنسان في البلد .

وفي الرسالة القادمة نكمل الحديث عن الآليات والتشريعات المتعلقة بحقوق الإنسان والتي يتوجب على مجلس النواب (لجنة حقوق الإنسان ) تقديمها في الدورة النيابية الجديدة ..

 

                                                                                

                                                                            منتصر الإمارة

                                                                 رئيس اتحاد البرلمانيين العراقيين

 

 

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                                                                                                                                                 


"قلبي ملأن أسى، انه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب بعد، بل توجد تكتلات بشرية، خيالية، خالية من أي فكرة وطنية"
الملك فيصل الأول


فكرة الإصرار تلك على انصهار (كل التكتلات البشرية) قومية كانت او دينية او مذهبية هي الأساس التي قامت عليه الدولة العراقية قبل أكثر من ثمانين عاما مستندة الى فكرة المواطنة العراقية واتلي ظلت خطا ثابتا لا يمكن الميلان عنه عبر كل تلك السنوات.. لاغيا التعددية التي نمت وترعرعت في ارض الرافدين قبل أن توجد حتى فكرة السلطة والنظام وقبل انتقال الإنسان من نظام القرية الى المدينة وفق عملية التحضر التي مرت بها كل شعوب المنطقة على اختلاف أعراقها والتي توسعة الى قوميات بفعل ازدهار الحضارات، ومن ثم الى أديان بعد نزول الرسالات السماوية والتي تشعبت بدورها الى مذاهب فان كان الثبات على فكرة الانصهار تلك وإلغاء كل الاختلافات القومية والدينية والمذهبية شعارا متوارثا وهدفا لا يمكن الحياد عنه، فلنقرأ السلم على العراقيين.. لان زمن الصراعات والحروب سيمتد لسنين طويلة، لتحرق أجيالا أخرى حملتها، وتنشر الموت والدمار.. بينما نحن نتوسل ونسعى لاختزال الزمن والقفز فوق حواجزه للعبور نحو حياة أكثر سلاما وأمنا.. أتساءل هل سنبقى عبيد فكرة المواطنة تلك والتي سارت على نهجها الأنظمة التي توالت على حكم العراق، وأبدعت في الحفاظ عليها بالقوة العسكرية وقمع الثورات وإخماد أصوات المطالبين بحقوقهم القومية والسياسية وعلى رأسهم الكورد.. نحن الحلقة الأضعف كما يعتبروننا، في سلسلة المواطنة العراقية المختزلة في بوتقة الوطن، الذي ضاق افقه وحدوده ليتحول الى نظام مستبد ومن ثم الى شخص يترأس النظام بقوة السلاح والقمع، فتحولت المواطنة الى علاقة عبد وسيده.. عبد عليه تقديم فروض الخضوع والطاعة العمياء لسيد ظالم..
بعد سقوط نظام الطاغية وتفتته لأشلاء تبعثرت في الداخل والخارج.. ظلت تلك الفكرة السادية التي تربى عليها أجيال مازال بعضها يتناطح مع كل من يخالفهم قوميا او دينا او مذهبيا وبذات النظرة الاستعلائية وكأنهم الأسمى والأنقى والآخرون لا يصلحون سوى لتلقي الأوامر وتنفيذها.. حتى بعد سقوط الأقنعة وانحسار ثقافة العروبة الشوفينية الضيقة، الساعية دوما لإلغاء الكل ضمانا لبقائها الأوحد، نجد الكثيرون سجناء داخل أنفسهم وأفكارهم يأبون هذا التغيير ويدورون في حلبة أنفسهم المترعة بخيلاء مزيفة وتعصب أعمى وشعارات كاذبة هم أول منا طلقاه وأول من صدقها..
مثل تلك الصور شاهدتها وغيري.. في مؤتمرات واجتماعات ومجالس تضم بعض النخب الثقافية والتي من المفروض بها ان تكون قائدة لعملية التغيير التي تزحف ببطء على جسد أيامنا ولكنها موجودة فعلا.. وان كانوا يقبلون بالكورد على طريقة (شجابرك على المر.. غير الأمر منه) ويدعوننا الى حواراتهم ومؤتمراتهم، وما أن نطالب بحقنا بالمشاركة في تولي منصب او مسؤولية في حدود خصوصيتنا القومية.. حتى تشرأب الأعناق وتشتعل الانتقادات متهمين إيانا بشق الصف الوطني.. فما يحصل من اقتتال وتوتر في عدة مناطق في العراق وعمليات خطب وابتزاز طالت العراقيين وأناس من جنسيات مختلفة جاءوا لمساعدتنا وهم بهذا أفضل من بعض حملة الشعارات الوطنية علنا ومخططي العمليات الإرهابية سرا، ومن بعض أصحاب العمائم والفتاوى الذين يجيزون قتل المسلمين والمدنيين وتشجيع مفخخي السيارات وقاطعي الرؤوس لأنهم (مقاومون وطنيون).. كل أولئك لا يشقون الصف الوطني ولا يدمرون امن سلامة العراق.. لكن عندما يطالب الكورد بحقهم في الترشيح لمنصب او المشاركة مع الآخرين بثقلهم السياسي والمطالبة بحقوقهم التاريخية والقومية في المدن الكوردية التي تعرضت لعمليات تعريب قسرية ومقيتة، تلك المدن التي ولدت من رحم ارض كوردستان على أيدي الكورد بناتها يتهمون بالتحريض على الحرب وتهديد وحدة وامن العراق..
السكوت من ذهب.. ولكن الصمت يصبح أحيانا بلاغة متهرئة في التحاور مع المتعصبين الطرشان..

في إحدى الندوات التي نظمتها جمعية حقوق الإنسان، طالب احد
المشاركين بان يكون هناك كراس باللغة الكوردية أسوى بكراس اللغة العربية، الذي يتحدث عن حقوق الإنسان مما أثار حفيظة بعض من زاروا منطقة (الشمال) كما يسمونها بدلا من كوردستان، بان الكورد في تلك المناطق لا يجيدون التحدث باللغة العربية وهذه مشكلتهم عليهم حلها بدل المطالبة بالترجمة الى اللغة الكوردية.. علما ان تلامذة كوردستان يتعلمون اللغتين العربية والانكليزية ضمن مناهجهم الدراسية وهم يتحملون عبئا أخر لا يحمله بقية التلامذة في مناطق العراق.

هي سيدة دءوبة ومجدة قضت ثلاثين عاما في التدريس تعودت كل صباح ان تحمل حقيبتها اليدوية بعد تناول الفطور، والتوجه لعملها.. هذا الروتين الصباحي أصبح سمة لازمة لها لمدة ثلاثين عاما عدا ايام الإجازة والعطل الرسمية، ذات يوم أحست بان حقيبتها أصبحت ثقيلة وحار، لم تدرك ما حدث لها الى نبتها إحدى زميلاتها بأنها تحمل في يديها (كتلي الماء الحار) وليس حقيبتها اليدوية!!
فان كان اعتياد الفعل يتواصل عبر كل تلك السنوات.. فكيف بالتعود على فكرة تطرق بكثافة على الرأس لتصبح وشما في الذاكرة يصعب التخلص منه ومع كل ذلك يبقى التفاؤل بقعة ضوء في صفحة سوداء تمتد بحذر وخوف لتزيح السواد الى الأبد..

                                                                                            كاتبه وصــحفية عراقية

                                                                                                  د.إزهار رحيم